ابن خلكان

256

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

المدينة قال : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين . وذكر أبو العباس المبرد في كتاب « التعازي » ما مثاله « 1 » : وقال إسحاق بن أيوب وعامر بن حفص وسلمة بن محارب : قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة ، فدخل محمد دار الدوابّ فضربته دابة فخرّ ميتا ، ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يدع ورده تلك الليلة فقال له الوليد : اقطعها ، فقال : لا ، فسرت إلى ساقه ، فقال له الوليد : اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك ، فقطعها بالمنشار وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد ، وقال : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً . وقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال : يا أمير المؤمنين بتّ ليلة في بطن واد ، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود ، وكان البعير صعبا فندّ ، فوضعت الصبيّ واتبعت البعير ، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب وهو يأكله ، فلحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني ، فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر ؛ فقال الوليد : انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء . وكان أحسن من عزّاه إبراهيم بن محمد بن طلحة فقال له : واللّه ما بك حاجة إلى المشي ، ولا أرب في السعي ، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة ، والكل تبع للبعض ، إن شاء اللّه تعالى ، وقد أبقى اللّه لنا منك ما كنا إليه فقراء ، وعنه غير أغنياء ، من علمك ورأيك ، نفعك اللّه وإيانا به ، واللّه ولي ثوابك ، والضمين بحسابك . [ وحكى سعيد بن أسد قال : حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال : كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون ، وكان إذا دخله ردّد هذه الآية فيه : وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ( الكهف : 39 ) حتى يخرج منه . وكان يقرأ

--> ( 1 ) هذا النص المنقول عن المبرد حتى قوله . . . بحسابك : سقط من س ل لي م ، وانفردت به ر وأشار في المسودة إلى أن « التخريجة » تكتب هنا .